لقاء بتاريخ 17
سبتمبر 2016
_____________تقديم عام للكتاب__________
يُعدُّ "شرق
المتوسط" من الروايات السياسية الرائدة لتطرقه بكل جرأة لحال المعارضة
السياسية في بلدان الشرق الأوسط دون تحديد أسمائها، من خلال سيرة مصغرة لمعارض
مثقف.
كانت شرق المتوسط
من أول الروايات التي أسست لجيل جديد ما بعد نجيب محفوظ بفضل تقنياتها الحديثة.
أما مضمونا فهي
السيرة الأكثر جرأة لجيل كامل من الحراك الطلابي الخارج من تحت عباءة الجامعة
والاديولوجيات الوافدة - غير المعارضة العمالية التي كانت سائدة قبل ذلك
. تكاد تكون هذه الرواية أكثر اللحظات جرأة في
تاريخ الرواية العربية فقد لامست المحذور مباشرة ولم تتردد في تفسير واقع السياسة
في شرق المتوسط فكانت خطوة لاستقلال هذا النمط من الكتابة الروائية
_____________المحتوى_____________
ركزت الرواية على
الداخل العربي المحتقن من خلال تضييقات السلطة على البطل المعارض "رجب"
. تعيش شخصية المعارض حالة من التمزق بين فكي
التحرر القومي مع الاستبداد أو الاستعمار الأجنبي لذلك يجد المعارض نفسه بدون أفق
شعبي .
ومن هذه الشخصيّة
تفرعت الرواية على تجارب رفاقه السجناء أولا ثم محيطه العائلي والاجتماعي مبرزة
عبثية الصمود في اطار الركود الوطني العام وقسوة السلطة وتعسفها
ان عدم ارتباط
الكتاب بفترة زمنية محددة من التاريخ جعل منه شاهدا على كل ازمنة الظلم و
الاستبداد وكأنّ الزمن في هذا المكان من العالم ليس له أيّ تأثير على العلاقة بين
السلطة والمواطنين....
فالمكان والزمان
غير محددين بل انهما مموهان حيث يخترع منيف دولتين (عمورية وموران) هما صورتان
لواقع تعيشه شعوب الوطن العالم العربي عامة
ونحن اليوم نعيش في
زمن آخر.. زمن سقوط الأنظمة الديكتاتورية تباعا كقطع الدومينو.. هنا في شرق
المتوسط.. كما يسميه عبد الرحمن منيف.. ال "هناك الممتد من شرق المتوسط إلى
عمق الصحراء" لم يكن الكاتب يسمي مكانا بعينه، كان ال"هناك" هو
المكان، شرق المتوسط، حيث رائحة العفن والموت والقيح والسجون....
____________________النقاش______________________
**الانطباعات حول العنوان:
=يحيل الى "الشّرق الأوسط" بمفهومه
السياسي..الجغرافي...الجغراسياسي
=معنى سلبي: المشاكل التي يعاني منها
"الشرق الأوسط"
**انطباعات البعض ممّن قرأ الكتاب:
-رواية مفجعة صادمة: المجتمعات العربية
يتعرّض فيها الانسان الى هذا الكم من التعذيب
- راي احد المشاركين
"...دعنا
من هذا . سأتشارك معكم ذكرى ما . في أكتوبر من سنة 2009 وجدت نفسي للمرّة الأولى
واقفا أمام عون من أعوان أمننا "الجمهوريّ جدا" ممن كانت مهمّتهم حماية
الوطن من المتآمرين من أمثالي, و كانت المؤامرة العضمى على أمن دولتنا حينها
تضاهرة ثقافية في الكلية بمناسبة ذكرى اغتيال جيفارا . و حتّى أنفي عنّي منذ الآن
اتهامات من نوع "استعراض البطولات " سأحدّثكم عن الأفكار التي دارت بخلدي
أثناء تلك السويعات. حسنا .. كنت أفكر في رفيق بجانبي و أتسائل ان كان الايقاف
سيجعله يتراجع عما نحن بصدد فعله فيه ( جعلني أندم على هذه الفكرة فيما بعد) , كنت
أيضا بصدد البحث عن الوضعية المثلى ليديّ كي تكونا مستعدتين لحماية وجهي من ضربات
مفاجئة , و كنت أحاول اخفاء الرّعشة فيهما أيضا كي لا يرى المحقّق أثرا للخوف فيّ
( ان قال لكم أحد أنه لم يمت رعبا في ايقافه الأول فاعلموا انّكم بصدد الحديث مع
مريض نفسي خطير أو كذّاب ) , و لكنّ ما يهمنا في هذا السياق هو أنّ صورة رجب بوجهه
الأصفر المريض و عينيه الحزينتين زارتني في تلك اللحظات. و مع كلّ كلمة تخرج من فم
ذلك البوليس , كان أحد الأسئلة المحورية "لشرق المتوسّط" يقرع تلافيف
دماغي بقوة . هل الضعف أمر مسموح به؟ هل الاعتراف سيجعلنا نخرج من هذا الرّعب ؟ هل
الخيانة أحد الخيارات المتاحة؟ .. انّه نفس السؤال مطروحا بصياغات مختلفة . و يبدو
أن عبد الرحمان منيف قدّم لنا اجابته في شرق المتوسط .
لقد أعلن الكاتب موت رجب لحظة اعترافه, كما جعلنا نعيش
بشكل تفصيلي ما يعتمل في ذهن المحتضر من أفكار , و يا لقتامة المشهد ! ماذا يتبقّى
من مناضل لحظة الانهيار؟ لا شيء سوى العدم الذي يسكن هيكلا عضميا ,و أعضاء بشرية
أعدت لنشر الموت من الداخل الى الخارج المحيط . و ان تذكرنا تلك اللحظة التي كان
فيها رجب بصدد قطع تلك الشّجرة سنفهم أنه كان بصدد اعلان عدم استعداده لقبول
اخضرار الاوراق الحية بينما كانت شجرته تتنفس موتها. في اللحظات التي كان أيضا يقسو
فيها على أخته – ما تبقى له – و يحمّلها مسؤولية موته المعنوي ّ , كان في واقع
الأمر بصدد قتل نفسه مرّة أخرى عبر قتل من يحبّ.
لحظة واحدة ! مالي أحاكم الرّجل؟ كلّ ما أراده هو وطن
آخر أجمل , و قد دفع في سبيل ذلك الضريبة أضعافا مضاعفة. دفعها لبعض
"الوطنيين جدا" ممن اختارو أن يكونو مرابين جيّدين جدّا . هؤلاء يحرصون
على أن يكونو "شيلوك" الباحث عن عن تسديد الدّين عبر اقتطاع رطل من
اللحم قرب القلب. أما هذا ال"أنطونيو" الجالس على كرسيّ التعذيب فهو ليس
مذنبا في شيء . كلّ ما أراده هو وطن آخر , و قد كان عليه أن يدفع الضريبة. لم يحظر
أحد للمحاكمة , محاكمة رجب . و قد كان وحيدا يراقب انغراس السّكين في لحمه لسداد
الدّين . فلم نلومه و نحاكمه على لحظة الاعتراف؟ و هنا يخبرنا الكاتب أن المسألة
ليست مسألة محاكمة القارئ لرجب خلال الرواية. المسألة ليس فيها بحث عن رأي للقارئ
أصلا .
الى حدود هذا الزمن مازلت أتسائل كم من مرّة بكى عبد
الرّحمان أثناء كتابته لهذا الأثر العضيم.. و الى هذه اللحظة مازلت أتسائل بحدّة :
لم أراد كلماته صادمة مفزعة الى هذا الحدّ ؟
يخبرنا "ألبير كامو" في " أسطورة
سيزيف" أن لحظة الانتحار هي لحظة انتفاء السبب الرئيسي للوجود. و شرق
المتوسّط حتى صفحاتها الأخيرة كانت قصّة انتحار مفصّلة الى أقصى حد . صرخة مؤلّفها
كانت واضحة أيضا , لا لبس فيها . لقد عبّر عنها مظفّر النواب حين سأل بحرقة "
وطني .. هل أنت بلاد الأعداء؟ "
انّ الرواية مخيفة . كلّ من يرى وطنا جميلا في أحلام
يقضته سيراها مخيفة. و ان كنتم ممّن اختاروا نقل تلك الأحلام الى الواقع عبر مسار
مضن و قاس, و ان كنتم ممن يستحضرون مستقبلهم مرتبطا بالمقاومة و بتسديد الديون
ل"شيلوك" عبر الاعتقال و التضحية و احتمال التعرّض للتعذيب بكلّ أشكاله
و صوره فستجدون مثلا أنّ أحد أكثر المقاطع اثارة للخوف ذلك الذي يتحدّث عن كون
المعتقل السياسي لن يقدر على احتمال التعذيب ان كان يعرف أصنافه مسبقا. سيكون
سقوطه سهلا .
كلّ هذا الحديث كلّ هذه الأفكار المشوشة , كلّ هذه
الهواجس ستتعرّض للاختبار مرّة أخرى في الصفحات الأخيرة. ستصل هناك متعبا و منهكا.
حينها تحديدا سيتحوّل عبد الرحمان منيف الى يسوع المسيح لنشهد انبعاث رجب حيا من
جديد حين قرّر العودة الى خوض غمار المعركة. لكنّ هذه العودة لن تكون مجّانية .
فناءه البيولوجيّ سيكون الثمن. اذن لقد وضع في مفترق طرق أمام أحد خيارين : الموت
حيّا , أو الحياة موتا . يا للقسوة ! ان قسوة الكاتب في الصّفحات الأخيرة كانت ردّ
الفعل الطبيعي على قسوة الأنظمة في شرق المتوسّط . ردّ فعل مساو في القوّة و معاكس
في الاتجاه. و ستتخيّلون معي في هذه النقطة رجب واقفا أمام المحقّق أصفر الوجه
مبتسما بعينين فيهما حزن العشاق و ستسمعونه يقول بصوت منخفض و ثابت :" ان
كنتم تريدون لنا حياة تقتلنا فسنموت لنقتلكم " ... انّه الموت بطعم الانتصار
!
_______مناقشة القضية -1-
_______
1 – هل نعتبر كلّ انسان تنازل عن مبادئه في لحظة
ضعف او انكسار او اضطهاد(تحت التعذيب مثلا) هل هو بالضرورة انسان بلا مبادئ وبلا
امل في الرجوع الى نفس هاته المبادئ بعد تنازله عنها ؟؟
==> اختلفت اراء الحاضرين:
-البعض يرى أنّ البنية الجسديّة الضعيفة قد
تكون مبرّرا لذلك : الضعف طبيعة بشريّة
-آخرون قالوا ان ثبوت الانسان على مبدأ مرتبط
بمدى ايمانه به (سيدنا بلال و الكمّ الهائل من التعذيب الذي لقيه لكنّه لم يرتدّ
لحظة عن دينه مثالا)
-البعض يخاف التعذيب وهذا لا يتعارض مع
ثباتهم على مبادئهم
- الاستشهاد بقصّة "عمّار ابن ياسر"
: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ
النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ، ثُمَّ تَرَكُوهُ
. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : « مَا وَرَاءَكَ؟
». قَالَ : شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ ،
وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ؟! قَالَ : « كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟ » . قَالَ
: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ . قَالَ : « إِنْ عَادُوا فَعُدْ » . ٍ
- الايمان -باي مبدا كان- محله في القلب اوّلا
...ثم يجب ان تترجمه أفعال و أقوال الانسان ان كان هذا الايمان صادقا.. الا ان
الاعمال التي تأتي مقيدة او مفروضة على صاحبها لعوامل خارجة عن ارادته تؤدي الى
عجز صاحبها عن تطابق اقواله مع ما يؤمن به أحيانا
الشّاهد... اذا عجز
الانسان على ان تتطابق افعاله و اقواله مع ما يؤمن به , فانّ الايمان القلبي
بالمبدأ هو الذي لا يجب أن يتأثّر رغم تاثر القول و الفعل...
- هناك من راى ان حال المناضلين الذين يمثلون
رموزا وقدوات للكثيرين(غيفارا/ غاندي...) ضروري ان لا يفرطوا في
مبادئهم تحت أي ظرف من الظروف ولو كان الثمن موتهم لان ذلك من شانه المس بدرجة
ايمان القاعدة الجماهرية المعتنقة لنفس مبادئهم...
-هناك من أشار على ضرورة عدم صياغة قالب واحد
للثبات...لا يمكننا الحكم على الفرد من خلال موقف معيّن تخاذل فيه او قصّر في
الحفاظ على مبادئه... فالامر يبقى مرهونا بالموقف و بالظروف المحيطة بالموقف
______مناقشة القضيّة 2-______
2 – تبعات التعذيب النفسية على الفرد و على
المحيطين به
-سجون التعذيب اليوم في شرق المتوسط هي اول
مدرسة للارهاب: التعذيب خلّف أفرادا متعطّشة أكثر للدماء..لردّ الفعل على الانظمة
المستبدة و الظلم والعنف الحيواني الذي وقع تسليطه عليها(داعش على سبيل المثال...)
- نظرة المجتمع للسجين بعد خروجه:
منبوذ..شبهات توجّه للعائلة و قيل وقال...
- المناضل السياسي قد يتخلى عنه أقرب الناس
اليه بسبب التتبعات و المضايقات المستمرّة الى غير ذلك...
- الاثار الجسدية قد تبقى و هي سهلة النسيان
مع الوقت... لكن الاثار النفسية –حسب البعض- متعلّقة بالمناخ الاجتماعي خصوصا و
كيفية التعامل مع السجين السياسي و سجناء الراي
- الأنظمة العربية ووسائل التعذيب البشعة اتي
ذكرت في الرواية و روايات اخرى عديدة من ادب السجون== ذكر نموذج سجن أجنبي يقع فيه
معاملة السجناء بطريقة راقية جدا و انسانية ..مما دفعنا الى طرح التسائل:
ماهو الدور الرئيسي
للسجن داخل المجتمع؟؟ هل اصلاحه و تاهيله للعودة من جديد الى الحياة كفرد صالح في
المجتمع؟؟ام تدميره نفسيا و جسديا بغية التعفن في السجون بدعوى انّه ارتكب
"خطيئة" و لم يعد بالتالي صالحا ليكون فردا داخل المجموعة ولا امل له في
التوبة والرجوع عن خطيئته؟
الى أيّ مدى تقوم
السجون بدورها الاصلاحي داخل المجتمع؟؟
اعداد__سناء بازين__